أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
57
نثر الدر في المحاضرات
بقولهم ، واللّه إنه لصادق وإنّهم لكاذبون . قال أبو ذرّ ، فقلت : اكفني حتى أنظر . قال : نعم ، وكن من أهل مكة على حذر ، فإنّهم قد شنفوا « 1 » له وتجهّموا . فانطلقت فتضعّفت رجلا من أهل مكة ، فقلت : أين هذا الرجل الذي تدعونه الصّابئ ؟ قال : فمال عليّ أهل الوادي بكل مدرة وعظم وحجر ، فخررت مغشيّا عليّ ، فارتفعت حين ارتفعت كأنّي نصب أحمر . فأتيت زمزم فغسلت عني الدم ، وشربت من مائها ، ثم دخلت بين الكعبة وأستارها ، فلبثت بها ثلاثين من يوم وليلة ، وما لي بها طعام إلا ماء زمزم ، فسمنت حتى تكسّرت عكن بطني ، وما وجدت على كبدي سخفة جوع . قال : فبينما أهل مكّة في ليلة قمراء إضحيان « 2 » ، قد ضرب اللّه على أصمختهم ، فما يطوف بالبيت غير امرأتين ، فأتيا عليّ ، وهما يدعوان إسافا ونائلة فقلت : أنكحوا أحدهما الأخرى . قال : فما ثناهما ذلك ، فقلت : وذكر كلاما فاحشا لم يكن عنه ، فانطلقتا وهما تولولان وتقولان : لو كان هاهنا أحد من أنفارنا . فاستقبلهما رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلّم - وأبو بكر بالليل وهما هابطان من الجبل . فقال لهما : ما لكما ؟ قالتا : الصابئ بين الكعبة وأستارها . قال : فما قال لكما ؟ قالتا : كلمة تملأ الفم . ثم ذكر أنّه خرج إليه ، وسلّم عليه ، وأنّه أوّل من حيّاه بتحيّة الإسلام ، قال : وذهبت لأقبّل بين عينيه فقدعني « 3 » صاحبه . المغيرة بن شعبة « 4 » ذكر عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فقال : كان أفضل من أن يخدع ، وأعقل من أن يخدع ، وما رأيت مخاطبا له قط إلا رحمته كائنا من كان .
--> ( 1 ) شنفوا له : أبغضوه وتنكّروه ، والشّنف : النظر إلى الشيء كالمعترض عليه ، أو كالمتعجب منه ، أو كالكاره له . ( 2 ) ليلة إضحيان : أي مضيئة كالقمر . ( 3 ) قدعني : دفعني . ( 4 ) المغيرة بن شعبة يكنى أبا عبد اللّه ، شهد بيعة الرضوان واليمامة وفتوح الشام واليرموك والقادسية ، وولاه عمر بن الخطاب البصرة ، توفي في الكوفة سنة 50 ه ، وعمه هو عروة بن مسعود الثقفي . ( انظر البداية والنهاية 5 / 360 ) .